محمد بن جرير الطبري

71

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن نبي الله قال : " أي رب آتني ما وعدتني " قال : والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي : " ناد يا معشر الأنصار ويا معشر المهاجرين " فحمل ينادي الأنصار فخذا فخذا ، ثم نادى : يا أصحاب سورة البقرة قال : فجاء الناس عنقا واحدا . فالتفت نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا عصابة من الأنصار ، فقال : " هل معكم غيركم ؟ " فقالوا : يا نبي الله ، والله لو عمدت إلى برك الغماد من ذي يمن لكنا معك ثم أنزل الله نصره ، وهزم عدوهم ، وتراجع المسلمون . قال : وأخذ رسول الله كفا من تراب ، أو قبضة من حصباء ، فرمى بها وجوه الكفار ، وقال : وشاهت الوجوه فانهزموا . فلما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم ، وأتى الجعرانة ، فقسم بها مغانم حنين ، وتألف أناسا من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس ، فقالت الأنصار : حن الرجل إلى قومه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة له من أدم ، فقال : " يا معشر الأنصار ، ما هذا الذي بلغني ؟ ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله ، وكنتم أذلة فأعزكم الله وكنتم وكنتم " قال : فقال سعد بن عبادة رحمه الله : ائذن لي فأتكلم قال : " تكلم " قال : أما قولك : كنتم ضلالا فهداكم الله ، فكنا كذلك ، وكنتم أذلة فأعزكم الله ، فقد علمت العرب ما كان حي من أحياء العرب امنع لما وراء ظهورهم منا ؛ فقال الرسول : " يا سعد أتدري من تكلم ؟ " فقال : نعم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا والناس واديا لسكت وادي الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار " . وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " الأنصار كرشي وعيبتي ، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء ، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم ؟ " فقالت الأنصار : رضينا عن الله ورسوله ، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذر انكم " . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته أو ظئره من بني سعد بن بكر أتته فسألته سبايا يوم حنين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لا أملكهم وإنما لي منهم نصيبي ، ولكن ائتيني غدا فسليني والناس عندي ، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس " فجاءت الغد فبسط لها ثوبا ، فقعدت عليه ، ثم سألته ، فأعطاها نصيبه ؛ فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ الآية : إن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال : يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة وأعجبته كثرة الناس ، وكانوا اثني عشر ألفا . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوكلوا إلى كلمة الرجل ، فانهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غير العباس وأبي سفيان بن الحرث وأيمن ابن أم أيمن ، قتل يومئذ بين يديه . فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين الأنصار ؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة ؟ " فتراجع الناس ، فأنزل الله الملائكة بالنصر ، فهزموا المشركين يومئذ ، وذلك قوله : ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها الآية . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن